مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
319
موسوعه أصول الفقه المقارن
الدليل الخامس : استلزام الحجّية تقديم بيِّنة النافي وهذا الدليل يعني أنَّ لازم القول بحجّية الاستصحاب تقديم بيِّنة النافي على بيِّنة المُثبت ؛ لكونها معتضدة باستصحاب النفي ، مع أنَّ الواقع غير ذلك ، بل الإجماع قائم على تقديم بيِّنة الإثبات على بيِّنة النفي « 1 » . رُدَّ هذا بمنع الملازمة لوجوه : الأوَّل : أنَّها تصحُّ فيما إذا حصل الظنّ بكلا البيِّنتين وكان الاستصحاب مؤيداً لأحدهما ، مع أنَّ الظنّ لا يحصل إلَّا ببيِّنة المُثبت ؛ لأنَّه من المستبعد أن يُظنَّ المعدوم موجوداً بينما لا يستبعد أن يظنَّ الموجود معدوماً . الثاني : المُثبت يدَّعي العلم بالوجود بالطرق القطعية ، بينما النافي يدَّعي عدم العلم الظنّي ، والنفس تميل إلى دفع غير الملائم أكثر من جلب الملائم « 2 » . أو إنَّما كان ذلك لعدم اطّلاع النافي عليه ، وإمكان حدوث المُثبت حالة غيبة النافي وتعذّر صحبة النافي للمورد دائماً واطّلاعه عليه في سائر الأوقات « 3 » . الدليل السادس : تقديم القياس على الأصل مع جواز القياس ينتفي الرجوع إلى الأصل ، والقياس يرفع حكم الأصل . يرد عليه : أولًا : أنَّ الفرض في العمل بالاستصحاب هو مع انتفاء الأدلَّة التي تسبق الاستصحاب في المكانة بعد الفحص ، ولا مجال لإعمال الاستصحاب مع وجود هكذا أدلَّة . ثانياً : مجرَّد احتمال وجود قياس رافع ودليل ينفي موضوع الاستصحاب لا ينافي ولايضرُّ بحجّيته المظنونة « 4 » . الدليل السابع : التمسك بالاستصحاب يؤدي إلى التعارض إنَّ التمسّك بالاستصحاب يؤدّي إلى التعارض في الأدلَّة ، فإنَّ مَن استصحب حكماً من صحة فعلٍ له وسقوط فرض ، كان لخصمه أن يستصحب خلافه في مقابلته ، كما لو قيل : إنَّ المتيمّم إذا رأى الماء قبل صلاته وجب عليه التوضؤ ، فكذلك إذا رآه بعد دخوله في الصلاة باستصحاب ذلك الوجوب ، أمكن أن يعارض بأنَّ الإجماع قد انعقد على صحة شروعه في الصلاة وانعقاد الإحرام ، وقد وقع الاشتباه في بقائه بعد رؤية الماء في الصلاة ، فيحكم ببقائه بطريق الاستصحاب ، وما أدَّى إلى مثل هذا كان باطلًا « 5 » . رُدَّ هذا بما يلي : أولًا : هذا التعارض في المثال واضح ، لكنَّه من نوع التعارض البدوي ؛ لأنَّ وجوب الوضوء عليه في المثال الأوَّل إنَّما هو بحكم الاستصحاب التعليقي كما يدلُّ عليه مفاد الشرط بقوله : ( إذا رأى . . . ) وعدم وجوبه في المثال الثاني بالاستصحاب التنجيزي ، والاستصحاب التنجيزي مقدَّم على الاستصحاب التعليقي ، على ما هو التحقيق في ذلك . ثانياً : التعارض المزبور لايفترض في جميع صور الاستصحاب ، فالدليل - لو تمَّ - أضيق من المدَّعى « 6 » .
--> ( 1 ) . الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 370 ، وانظر : فرائد الأصول 3 : 101 . ( 2 ) . شرح مختصر المنتهى 3 : 564 ، وانظر : الاستصحاب ( كوثراني ) : 132 . ( 3 ) . الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 373 ، وانظر : الاستصحاب ( كوثراني ) : 132 . ( 4 ) . شرح مختصر المنتهى 3 : 564 - 565 ، وانظر : الاستصحاب ( كوثراني ) : 133 . ( 5 ) . كشف الأسرار ( البخاري ) 3 : 665 - 666 . ( 6 ) . الاستصحاب ( كوثراني ) : 134 .